مدير مكتب وزارة الخارجية وشؤون المغتربين بشبوة: محافظتنا عراقة التاريخ، وأمانة الأرض، وريادة العمل البيئي

حين نذكر شبوة، فإننا نستحضر أرضاً ضاربة في أعماق التاريخ، وموطناً لحضارات جنوب الجزيرة العربية، وامتداداً لهوية أصيلة تجسدها مدينة شبوة التاريخية وإرثها الحضاري العريق. إنها شبوة، أرض الجبال والأودية والصحارى وسواحل بحر العرب، وموطن الثروات الطبيعية والموارد الاقتصادية التي تتنوع بين الزراعة والرعي والثروة السمكية والنفط والغاز. وهي أرض لا تُقاس أهميتها بما تختزنه من ثروات فحسب، بل بما تمثله من قيمة تاريخية وإنسانية، وبما يستحقه أبناؤها من حياة كريمة وبيئة سليمة ومستقبل مستدام. ومن هذه المكانة تنطلق مسؤوليتنا جميعاً في حماية بيئة شبوة وصون مواردها الطبيعية؛ فالأرض التي حفظت ذاكرة الأجداد أمانة في أعناقنا، والثروات التي تحتضنها ليست مجرد موارد اقتصادية، بل مسؤولية وطنية وحق للأجيال الحاضرة والقادمة. ومن هنا تأتي مشاركتنا اليوم دعماً لجهود مكتب الهيئة العامة لحماية البيئة بمحافظة شبوة، وتقديراً لدوره في تعزيز الوعي البيئي، وحماية الموارد الطبيعية، وترسيخ المسؤولية المجتمعية تجاه البيئة والإنسان. إن حماية البيئة ليست مهمة جهة واحدة، بل هي مسؤولية مشتركة تتكامل فيها جهود المؤسسات الحكومية والسلطة المحلية والمجتمع المدني والقطاع الخاص والمواطنين، من أجل المحافظة على مقومات الحياة وتحقيق التنمية المستدامة. أهمية الدور البيئي في محافظة شبوة تتمتع شبوة بتنوع جغرافي وبيئي مهم، وتضم موارد طبيعية تشكل جزءاً أساسياً من مقومات التنمية الاقتصادية والاجتماعية في المحافظة. غير أن هذه الموارد تواجه تحديات تتطلب اهتماماً مستمراً، من بينها مخاطر التلوث النفطي، واحتمالات تسرب المواد الضارة، والضغوط على مصادر المياه والأراضي الزراعية والمراعي والمناطق الساحلية، فضلاً عن الآثار التي قد تترتب على النزاعات المسلحة والأنشطة البشرية غير الآمنة. وهنا تبرز أهمية الدور الذي يقوم به مكتب الهيئة العامة لحماية البيئة في محافظة شبوه من خلال اختصاصاته في متابعة القضايا البيئية وتعزيز التوعية والمساهمة في رصد مصادر التلوث والتنسيق مع الجهات المعنية للحد من الأضرار والمحافظة على الموارد الطبيعية. إن مساندة هذا المكتب وتطوير قدراته الفنية والمؤسسية يمثلان دعماً مباشراً لصحة المجتمع وسلامة البيئة وإسهاماً في حماية الثروات الوطنية من الاستنزاف والتدهور. - حماية البيئة في ضوء القانون الوطني والدولي إن حماية البيئة تستند إلى قواعد قانونية وطنية ودولية تؤكد أهمية الوقاية من التلوث والمحافظة على الموارد الطبيعية والحد من الأضرار التي قد تمس صحة الإنسان وحقه في العيش في بيئة سليمة. وعلى الصعيد الوطني يشكل قانون حماية البيئة اليمني رقم (26) لسنة 1995 إطاراً تشريعياً مهماً لحماية البيئة ومواجهة التلوث إلى جانب التشريعات الأخرى ذات الصلة بما يدعم دور الجهات المختصة في الرقابة والتوعية ومعالجة المشكلات البيئية وفقاً للقانون. أما على الصعيد الدولي فإن القانون الدولي الإنساني يفرض قيوداً على وسائل وأساليب القتال ويقرر حماية المدنيين والأعيان المدنية كما يتضمن أحكاماً خاصة لحماية البيئة الطبيعية أثناء النزاعات المسلحة. وتنص المادتان (35/3) و(55) من البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف لعام 1977 على قيود محددة تتعلق بالأضرار الجسيمة بالبيئة الطبيعية بما في ذلك الأضرار الواسعة الانتشار والطويلة الأمد والشديدة وفقاً لشروط النصوص ومدى انطباقها القانوني. كما تقتضي قواعد القانون الدولي الإنساني مراعاة مبادئ التمييز والتناسب واتخاذ الاحتياطات الممكنة أثناء الهجمات بما يسهم في حماية المدنيين والحد من الأضرار التي قد تصيب البيئة ومصادر بقاء السكان. من الناحية القانونية لا يُعد كل ضرر بيئي جريمة حرب تلقائياً إذ يتطلب التكييف القانوني تحديد طبيعة الفعل وظروف النزاع والأدلة المتاحة والقواعد القانونية المنطبقة على الواقعة. وفي هذا السياق تنص المادة (8/2/ب/4) من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية على تجريم شن هجوم عمداً مع العلم بأنه سيسبب أضراراً واسعة الانتشار وطويلة الأمد وشديدة بالبيئة الطبيعية تكون مفرطة بوضوح مقارنة بالميزة العسكرية الإجمالية الملموسة المتوقعة وذلك في إطار النزاعات المسلحة الدولية ووفق العناصر القانونية للجريمة أما الأضرار الناجمة عن الأنشطة النفطية أو الصناعية أو الإهمال فتُبحث مسؤوليتها وفق القوانين الوطنية والقواعد القانونية المنطبقة بما في ذلك الالتزامات المتعلقة بمنع التلوث ومعالجة آثاره وجبر الضرر متى ثبتت المسؤولية وتوافرت شروطها القانونية. وبناءً عليه فإن معالجة القضايا البيئية في محافظة شبوة تتطلب التقييم العلمي للأضرار وتحديد مصادرها وتوثيقها بأدلة موثوقة وتعزيز التنسيق بين الجهات المختصة وصولاً إلى المعالجة والمساءلة وفق الإجراءات القانونية السليمة. إن آثار الحروب لا تقتصر على الخسائر البشرية والمادية المباشرة بل قد تمتد إلى البيئة الطبيعية فتؤثر في المياه والتربة والهواء والتنوع الحيوي وتترك أضراراً قد تستمر حتى بعد توقف النزاعات. وقد يؤدي تلوث مصادر المياه أو الأراضي الزراعية إلى الإضرار بصحة المواطنين ومصادر رزقهم، كما قد تؤدي مخلفات الحرب والمواد الخطرة إلى تعريض السكان والمزارعين والرعاة لمخاطر مستمرة. وفي محافظة شبوة تبرز أهمية الوقاية من هذه المخاطر وتعزيز الرقابة البيئية وإجراء الفحوصات اللازمة عند الاشتباه بوجود تلوث ووضع خطط للاستجابة للطوارئ البيئية ومعالجة آثارها. إن حماية البيئة في هذا السياق ليست قضية فنية فحسب بل هي جزء من حماية الإنسان وصون حقوقه الأساسية ودعامة للاستقرار الاجتماعي والتنمية المستدامة. إن تطوير العمل البيئي في شبوة يتطلب تكامل الجهود وتوفير الإمكانات اللازمة للجهات المختصة ويمكن تعزيز هذا المسار من خلال: 1. دعم برامج الرصد والتقييم البيئي ولا سيما في المناطق المعرضة لمخاطر التلوث. 2. تعزيز الرقابة على المنشآت النفطية وخطوط النقل والتنسيق لمعالجة التسربات والمخلفات الضارة. 3. نشر الوعي البيئي بين أفراد المجتمع وإشراك الشباب والمؤسسات التعليمية في المبادرات التطوعية. 4. تعزيز الشراكة بين مكتب البيئة والسلطة المحلية والمكاتب التنفيذية والقطاع الخاص ومنظمات المجتمع المدني. 5. دعم برامج حماية المياه والتربة والسواحل والتوسع في المبادرات البيئية التي تسهم في استدامة الموارد الطبيعية. 6. توثيق الأضرار البيئية وفق أسس علمية وقانونية والتعاون مع الجهات المختصة في معالجتها وتحديد المسؤوليات عند الاقتضاء. 7. تعزيز فرص التعاون وتبادل الخبرات الفنية مع المؤسسات والجهات الدولية المعنية بحماية البيئة، كلٌّ في حدود اختصاصه. إن هذه الخطوات تمثل مساراً عملياً لمساندة الجهود البيئية وتحويل الوعي بأهمية البيئة إلى برامج مستدامة ذات أثر ملموس في حياة المواطنين. وفي هذا المقام نخص بالذكر والتقدير الدكتور طه صالح باكر، مدير مكتب الهيئة العامة لحماية البيئة بمحافظة شبوة تثميناً لجهوده المخلصة وعمله الدؤوب في خدمة المحافظة وما يبذله من اهتمام ومتابعة في مجال العمل البيئي في إطار مسؤولياته واختصاصاته. إن بعض الجهود لا تحتاج إلى ضجيج كي تُقدَّر ولا إلى حضور إعلامي كي تُحترم فهناك أعمال تُنجز بهدوء وإخلاص وتظهر قيمتها فيما تحققه من خدمة للصالح العام ومن هذا المنطلق يأتي تقديرنا للدكتور طه صالح باكر وللكوادر العاملة معه على جهودهم في دعم العمل البيئي وتعزيز الاهتمام بقضايا البيئة في شبوة. وإننا نؤمن بأن العمل البيئي يحتاج إلى الصبر والاستمرارية والتعاون المؤسسي كما يحتاج إلى مساندة المجتمع والجهات المعنية وتوفير الإمكانات التي تساعد العاملين فيه على أداء مهامهم وتحقيق أهدافهم. فكل التحية والتقدير للدكتور طه صالح باكر ولكوادر مكتب الهيئة العامة لحماية البيئة بمحافظة شبوة ولكل من يعمل بإخلاص من أجل حماية الأرض وصون الموارد الطبيعية وخدمة الإنسان بعيداً عن الأضواء وقريباً من مسؤولية العمل والعطاء. وإن تقدير هذه الجهود هو في جوهره تقدير لرسالة حماية البيئة ودعم لكل عمل مؤسسي يسعى إلى بناء مستقبل أكثر أماناً واستدامة لأبناء شبوة. الخاتمة إن شبوة بتاريخها العريق وهويتها الأصيلة وثرواتها الطبيعية تستحق منا جميعاً أن نصون بيئتها ونحمي مواردها وندعم المؤسسات التي تعمل من أجل سلامة أرضها وإنسانها. وإن دعم مكتب الهيئة العامة لحماية البيئة بمحافظة شبوة وتقدير جهود قيادته وكوادره يمثلان دعماً لمسؤولية وطنية وإنسانية تتصل بصحة المجتمع وحماية الثروات وترسيخ مبادئ التنمية المستدامة. ومن موقع المسؤولية المؤسسية نؤكد أهمية استمرار التنسيق والتعاون بين الجهات المعنية كلٌّ في نطاق اختصاصه بما يعزز حماية البيئة ويدعم الجهود الرامية إلى تحقيق التنمية والمحافظة على الموارد الطبيعية. فشبوة ليست أرضاً للثروات فحسب بل أرض تاريخ وهوية وإنسان وحماية بيئتها مسؤولية وطنية وقانونية وإنسانية وصون مواردها أمانة للأجيال القادمة. نسأل الله التوفيق للجميع في خدمة شبوة وأبنائها وأن تتضافر الجهود من أجل بيئة سليمة وتنمية مستدامة ومستقبل يليق بمكانة هذه المحافظة العريقة. المستشار صالح بن محمد الشعيراء مدير عام مكتب وزارة الخارجية بمحافظة شبوة 24-10-2026